ابن كثير
57
البداية والنهاية
درهم ، فلما قبض المال ندم وندمت الجارية ، فأشارت تخاطب سيدها بأبيات شعر وهي : هنيئا لك المال الذي قد أخذته * ولم يبق في كفي إلا تفكري أقول لنفسي وهي في كرب عيشة * أقلي فقد بان الخليط أو أكثري إذا لم يكن في الامر عندك حيلة * ولم تجدي بدا من الصبر فاصبري فأجابها سيدها فقال : ولولا قعود الدهر عنك لم يكن * لفرقتنا شئ سوى الموت فاصبري ( 1 ) أأوب بحزن من فراقك موجع * أناجي به قلبا طويل التذكر ( 2 ) عليك سلام لا زيارة بيننا * ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فلما سمعهما ابن معمر قد شببت قال : والله لا فرقت بين محبين أبدا ، ثم أعطاه المال - وهو مائة ألف - والجارية لما رأى من توجعهما على فراق كل منهما صاحبه ، فأخذ الرجل الجارية وثمنها وانطلق . توفي عمر بن عبيد الله بن معمر هذا بدمشق بالطاعون ، وصلى عليه عبد الملك بن مروان ، ومشى في جنازته وحضر دفنه وأثنى عليه بعد موته ، وكان له من الولد طلحة وهو من سادات قريش تزوج فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر على صداق أربعين ألف دينار ، فأولدها إبراهيم ورملة ، فتزوج رملة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس على صداق مائة ألف دينار رحمهم الله . كميل بن زياد ابن نهيك بن خيثم النخعي الكوفي . روى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي هريرة ، وشهد مع علي صفين ، وكان شجاعا فاتكا ، وزاهدا عابدا ، قتله الحجاج في هذه السنة ، وقد عاش مائة سنة قتله صبرا بين يديه : وإنما نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه . فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه ، فقال له الحجاج : أو مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص ؟ ثم أمر فضربت عنقه ، قالوا : وذكر الحجاج عليا في غبون ذلك فنال منه وصلى عليه كميل ، فقال له الحجاج : والله لأبعثن إليك من يبغض عليا أكثر مما تحبه أنت ، فأرسل إليه ابن أدهم ، وكان من أهل حمص ، ويقال أبا الجهم بن كنانة فضرب عنقه ، وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين وله الأثر المشهور عن علي بن أبي طالب الذي أوله " القلوب أوعية فخيرها أوعاها " وهو طويل قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات وفيه مواعظ وكلام حسن رضي الله عن قائله .
--> ( 1 ) في العقد : يفرقنا شئ سوى الموت فاعذري . ( 2 ) في العقد : أبوح بحزن . . . * أقاسي به ليلا يطيل تفكري .